غسان الرفاعي والأسئلة الأساسية للحركة السياسية العربية
قبل أيام، رحل المفكر اليساري اللبناني غسان الرفاعي، وهو أصلا كردي عراقي، اسمه عصمت جاويد أدهم، انتقل إلى لبنان سنة 1949 للدراسة، واستقر بها. ظل الرفاعي في القلب من كثير من السجالات الأساسية داخل الحركة الشيوعية اللبنانية، وهي سجالات مازلت أعتقد أنها حال تجريدها من اللغة الماركسية التقليدية، فإنها ستعبر عن الأسئلة الأساسية في السياسة العربية، والمفارقة أن هذه الأسئلة مازالت هي نفسها لم تتغير منذ أكثر من خمسين سنة.
سنة 1968، انعقد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني، وهو المؤتمر الذي اتخذ فيه الحزب قراره بالانفصال عن الحزب الشيوعي السوري، والتراجع عن القرارات غير الشعبية السابقة للحزب الشيوعي السوري كالقبول بقرار تقسيم فلسطين سنة 1947 تبعا لقرار الاتحاد السوفيتي، ومعارضة الوحدة العربية بين مصر وسوريا بسبب سياسات عبد الناصر ضد الحركة الشيوعية.
في هذا الوقت، وعلى خلفية هزيمة يونيو 1967، كان اليسار الجديد يتشكّل على أساس رفض التحالف مع الأنظمة القومية في مصر وسوريا والعراق. في حالة لبنان تجسد هذا التيار في مجموعة لبنان الاشتراكي التي تحالف مع الفرع اللبناني لحركة القوميين العرب الناصرية لتشكل "منظمة العمل الشيوعي" بقيادة محسن إبراهيم.
الاشتراكية أو الرأسمالية الوطنية
كان المحور الفكري لليسار الجديد هو رفض التحالف مع الأنظمة القومية المسماة بالرأسمالية الوطنية، وطرح قيادة الطبقة العاملة مباشرة لمهمة التحرر الوطني، بجانب وضع الاشتراكية على جدول الأعمال السياسي، ورفض اعتبارها مرحلة تالية للمرحلة الديمقراطية الوطنية. تبنى اليسار الجديد في مصر تلك الأفكار نفسها، وكان من أبرز تنظيماته حزب العمال الشيوعي بقيادة إبراهيم فتحي ثم خليل كلفت (صالح محمد صالح) الذي وضع كتابه الشهير «حول سلطة البرجوازية البيروقراطية» في نقد الناصرية ردا على كتاب ط. ث. شاكر (ميشيل كامل) «قضايا التحرر الوطني والثورة الاشتراكية» في الدفاع عن السياسات الاقتصادية الناصرية.
عبّر محسن إبراهيم عن تلك الأفكار في مجموعة مقالات صدرت في مجلة "الحرية"، وانبرى للرد عليها غسان الرفاعي من خلال كتابه "اليسار الحقيقي واليسار المغامر" الذي أصدره باسم "يساري لبناني"، واعتبر فيه موقف محسن إبراهيم موقفا معبرا عن نزق المثقفين الذين يبحثون عن شعارات ومواقف مثالية وراديكالية.
في الواقع، كانت المسافة بين الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي من الناحية الفكرية أضيق كثيرا مما تبدو عليه في رأيي، لأن الحزب الشيوعي اللبناني كان قد تبنى نظريا نفس أفكار اليسار الجديد كما ظهر في مؤلفات مهدي عامل التي اعتبر فيها الأنظمة القومية العربية أنظمة برجوازية صغيرة عاجزة عن الهيمنة لأن البرجوازية الصغيرة طبقة غير مهيمنة أصلا داخل الطبقة المسيطرة (الطبقة البرجوازية)، وهذا هو سبب لجوءها للانقلابات العسكرية بسبب عجزها عن الوصول إلى السلطة ديمقراطيا، كما ربط مهدي عامل مباشرة بين التحرر الوطني والاشتراكية، فاعتبر الاشتراكية شرطا للتحرر الوطني بما هي شرط للتخلص من الرأسمالية التجارية المالية التابعة بالضرورة للقوى الإمبريالية.
حتى تحليل النظام الطائفي في لبنان، فلا أعتقد أن المسافة النظرية بين فواز طرابلسي ومهدي عامل في ذلك بالاتساع الذي تبدو عليه في نقد طرابلسي لمهدي عامل، لأن تحليل مهدي للطائفية في كتابه "مدخل إلى نقض الفكر الطائفي" يضع في اعتبار الأبعاد المركبة للبنية الطائفية كما يحللها فواز طرابلسي، حيث يتحدث مهدي عن هيمنة طبقية داخل الطائفة، ويتحدث عن توازن هيمني بين الطوائف. بل وأعتقد إن تحليل مهدي عامل قريب كذلك من تمييز عزمي بشارة بين الطائفة كبنية اجتماعية تاريخية والطائفية كظاهرة سياسية أو تسييس للانتماء الطائفي (بصيغة مهدي عامل: الطائفية علاقة سياسية).
المفارقة أن منظمة العمل الشيوعي كانت هي الأقرب في الممارسة للتحالف الوثيق مع الأنظمة القومية والقوى الوطنية وللسيطرة النخبوية على التنظيم من خلال شخصية محسن إبراهيم الكاريزمية، وعلاقاته القوية بياسر عرفات وكمال جنبلاط وحتى بمعمر القذافي (يحكي نبيل عمرو أن محسن إبراهيم قال ذات مرة للقذافي: إنت عليك تدفع وإحنا علينا نفسّر صلتنا بينك للجماهير). الأمر نفسه جرى مع حزب العمال الشيوعي الذي تسلط عليه خليل كلفت، ولاحقا تبنى كلفت مبدأ تأييد الرأسمالية الوطنية بعد 30 يونيو 2013.
المهم هو أن هذا النقاش في جوهره مازال مطروحا علينا اليوم: هل يمكن بالفعل الانخراط في مواجهة مع إسرائيل في ظل الأوضاع السياسية العربية الراهنة؟ وهل يمكن تحقيق التحرر الوطني بدون بناء اقتصاد وطني قوي؟ ومن الناحية السياسية يكون السؤال كالتالي: كيف ينبغي التعامل مع الأوضاع السياسية العربية القائمة بالفعل، هل يجب رفضها جذريا، أم يجب البحث عن إمكانية للانخراط فيها وتوجيهها؟
الدولة والطبقة
ظل غسان الرفاعي حاضرا رغم مرور السنوات في السجال السياسي العربي حتى في إطار الربيع العربي، هذه المرة من خلال معركته الفكرية مع عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار. كان عبد الجبار قد تأثر ككثير من علماء الاجتماع الماركسيين بتيار الفيبرية الجديدة الذي رأى أن الماركسية أغفلت دور الدولة كفاعل اجتماعي مستقل عن الطبقات، وليست مجرد أداة سياسية للطبقة البرجوازية.
تشكلت الفيبرية الجديدة في الواقع في السبعينات بعد أن صارت الدول الأوروبية والولايات المتحدة دول رفاه تقدم خدمات اجتماعية واسعة، وتلعب بالتالي أدوارا أوسع من مجرد قمع العمال أو تسهيل المصالح الرأسمالية. أما عبد الجبار، فقد نقل الفيبرية الجديدة إلى السياق العربي في إطار الجدل العربي حول تضخم الدولة العربية وطغيانها اجتماعيا على نحو يجعل سؤال الدولة والحرية سابقا على سؤال الطبقة والعدالة الاجتماعية.
أصدر فالح عبد الجبار في هذا الإطار كتابه "ما بعد ماركس" سنة 2010، وانبرى غسان الرفاعي للرد عليه في كتابه "ماركس دون دوغمائية ودون تفريط"، واستجلب رد الرفاعي تعليقات نقدية من فواز طرابلسي ومحمد علي مقلد.
لكن في الحقيقة، وبعيدا مرة أخرى عن السجالات الأيديولوجية الماركسية، يبقى السؤال السياسي العربي مطروحا: هل الإصلاح السياسي العربي هو سؤال سياسي حول الديمقراطية بالأساس، بمعنى ضرورة التخلص من الأنظمة السلطوية وبناء نظام ديمقراطي، أم أنه سؤال اقتصادي بالأساس، أي سؤال حول ضرورة التنمية وبناء اقتصاد قوي؟ وهل يمكن بناء اقتصاد قوي في سياقنا العربي العالمثالثي بدون دولة تنموية تدخلية ومن خلال القطاع الخاص فقط؟ وبالتالي هل يمكن استبعاد سؤال الطبقة بمعنى أثر الطبقة البرجوازية أو التحالف بين رأس المال الكبير والسلطة على سياسات الدولة الاقتصادية؟
رحم الله غسان الرفاعي، وأعاننا على طرح الأسئلة الجادة في الحركة السياسية العربية، والتوفيق للإجابة عليها.



