فلسفة هيجل: لماذا تعد الدولة ضرورة للأفراد والمجتمع؟
قراءة في نظرية الدولة عند الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيجل
سؤال المقالة
تجمعنا في العالم العربي علاقة معقدة بالدولة، فقد عانت الشعوب العربية من الدول المستبدة الغاشمة التي قتلت الآلاف من أبنائها في سبيل فرض نفوذها. لكن في الوقت نفسه، علّقت الشعوب العربية طويلا آمالها على الدولة في تنمية المجتمعات وتحسين أحوالها، وعندما غابت الدولة، عانى المجتمع فراغا فضّل معه الجمهور عودة الدولة في أقصى أشكالها عنفا على استمرار هذا الفراغ.
يعد الفيلسوف الألماني هيجل واحد من أبرز من وضعوا نظرية حول الدولة وأهميتها للمجتمع، ولذلك نستعرض نظريته هنا، خاصة أن كثيرا من المفكرين العرب قد استلهم هذه النظرية وتبناها، ورأى أن الدولة هي السبيل الوحيد لتحديث مجتمعاتنا، مثل المفكر المغربي عبد الله العروي. ونفتتح بهذه المقالة سلسلة مقالات أوسع حول الدولة، وعلاقتها بالقوى الاجتماعية، وبدائلها.
الدولة لماذا؟
تأسست مملكة بروسيا في مطلع القرن الثامن عشر بوصفها كيانًا سياسيًا حديثًا نسبيًا، نشأ بفعل الهيمنة القوية لعائلة هوهنتسولرن على المنطقة التي تقع شمال شرق ألمانيا، وتعرف ببروسيا. ففي عام 1701، تُوِّج فريدريك الثالث، المنتخب من قبل النبلاء في براندنبورغ، ملكًا على بروسيا تحت اسم فريدريك الأول، وحصل على اعتراف الإمبراطور الروماني المقدس (إمبراطور النمسا) الذي كان يعد في ذلك الوقت صاحب السيادة الشرعية على الأراضي الألمانية. بهذا التتويج، انتقلت الدولة من كونها تجمعًا إقليميًا داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى مملكة ذات سيادة محدودة، تجمع بين أراضي براندنبورغ الألمانية ودوقية بروسيا الواقعة خارج حدود الإمبراطورية.

منذ نشأتها، تميزت بروسيا بطابعها العسكري والإداري الصارم. وقد تعمّق هذا الطابع في عهد فريدريك وليم الأول، الذي عُرِف بـ«الملك الجندي»، وحكم بين 1713 و1740. ركّز فريدريك ويليام الأول على بناء جيش دائم ومنضبط، وأعاد تنظيم المالية العامة والإدارة البيروقراطية على أسس عقلانية صارمة عرفت باسم الكاميلاريزم، وهي مدرسة عنت عمليا التعامل مع الدولة كأنها شركة تعمل على تعظيم إيراداتها. وقد تشكلت النخبة الحاكمة من تحالف بين الملكية والطبقة النبيلة العسكرية (اليونكرز)، ما منح بروسيا استقرارًا داخليًا وقوة خارجية تفوق حجمها الديمغرافي والاقتصادي.
بلغت بروسيا ذروة صعودها في القرن الثامن عشر مع حكم فريدريك الثاني، المعروف بفريدريك الأكبر (1740–1786)، الذي وُصِف بالمستبد المستنير، حيث سعى إلى تحديث الثقافة في بروسيا وتشجيع الفلسفة والتسامح الديني، مع احتفاظه بقوة الدولة وسيطرة السلطة على الشأن السياسي، كما وسّع أراضي الدولة وفرض على أوروبا الاعتراف ببروسيا كقوة كبرى. تطوّرت حركة التنوير والإصلاح في بروسيا إذن عبر قيادة الدولة نفسها، وليس عبر قيادة البرجوازية الصاعدة كما في حالة إنجلترا. وبحلول نهاية القرن الثامن عشر، كانت مملكة بروسيا قد ترسّخت كقوة أوروبية مركزية، لكنها حملت في داخلها تناقضات عميقة. فقد جمعت بين إدارة عقلانية حديثة وبنية اجتماعية إقطاعية، وبين خطاب تنويري وممارسة سياسية استبدادية.
جاءت الهزيمة الكارثية التي مُنيت بها بروسيا أمام نابليون عام 1806، لتفضح قصور مؤسساتها وتقادم بنيتها الاجتماعية، ما دفع نحو برنامج واسع من الإصلاحات التي تقودها الدولة، مثل إعادة تنظيم الجيش، ومأسسة البيروقراطية، وتوسيع التعليم العام، والإدماج التدريجي لمبدأ المساواة القانونية، كل ذلك بوصف الدولة القائد الواعي لعملية التحديث.
وقد شكّلت هذه التجربة التاريخية الأفق الفكري للفيلسوف الألماني الأبرز جورج فيلهلم فريدريش هيجل. أنتج هيجل أفكاره في أعقاب الثورة الفرنسية والهزيمة البروسية على يد نابليون، ورأى أن الحرية بمعناها الحديث، أي حرية الفرد، لا تنتج تلقائيًا من المجتمع المدني كما كان الفكر الليبرالي يرى، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وتنظيم عقلاني للدولة. هذا النمط البروسي للتحديث دفع هيجل نحو التركيز على مركزية الدولة لإنتاج مجتمع عقلاني. فالدولة الحديثة في نظره هي التحقق الأخلاقي الذي تصبح فيه الحرية موضوعية وليست طموحا ذاتيا، إذ تقوم الحرية عندئذ على ضمانات مؤسسية تتمثل في القوانين والمؤسسات الإدارية التي تقوم بمهمة التوفيق بين المصالح الخاصة في نظام كليٍّ عام.
ما هو العقل؟
تقوم فلسفة هيجل على النظر إلى التاريخ البشري بوصفه عمليةً عقلانية تتحقق من خلالها «الفكرة المطلقة» تدريجيًا في العالم. وهذه الفكرة المطلقة هي العقل، لا بمعنى القدرة الذهنية الفردية التي يملكها كل إنسان، وإنما العقل في مفهوم هيجل هو المنظومة الشاملة من القواعد والحقائق التي تحكم الوجود. فالعقل، بهذا المعنى، هو المنطق الباطني للواقع نفسه، بحيث يشمل قوانين الطبيعة من جهة، وكذلك يشمل المنطق الخفي الذي تسير وفقا له أحداث التاريخ نحو تشكل مجتمع بشري عقلاني، ومن ثمّ فإن التاريخ قابل للفهم لأنه محكوم بضرورة عقلانية، حتى حين يبدو، على مستوى التجربة المباشرة، فوضويًا أو عنيفًا، فهذه الفوضى تتفاعل مع بعضها بحيث تقود الأضداد، أي الاتجاهات المتعارضة بل المتناقضة تماما في ظاهرها، إلى نتائج تحمل ملامح من كلا الاتجاهين، وتتجاوزهما في الوقت نفسه نحو نظام أكثر عقلانية.
بالنسبة لهيجل، فإن العقل يحكم العالم، لكن العقل يحقق ذاته عبر التناقض والصراع والنفي. فالفاعلون التاريخيون يسعون وراء مصالح جزئية، تحركهم الطموحات والمخاوف والرغبات، لكن أفعالهم تُدرَج داخل حركة عقلانية أوسع تتجاوز مقاصدهم. وهذا هو معنى ما يسميه هيجل «مكر العقل»: إذ يظن الأفراد أنهم يعملون لصالح أنفسهم، بينما يستخدم العقل أهواءهم كأدواتٍ لتحقيق نفسه. ومن ثمّ يمتلك التاريخ اتجاهًا باطنيًا هو تحقق منظومة عقلانية شاملة في المجتمع الإنساني.
لا يكون البشر واعين بالعقل أو بالفكرة المطلقة في البداية، وبالتالي يكون العقل أو الفكرة المطلقة في حالة اغتراب متجسدة في الطبيعة، وبمرور الوقت والتاريخ، يبدأ البشر في وعي الحقيقة والعقل، وتحديدا المفهوم الحقيقي للحرية الذي يشكل جوهر العقلانية الاجتماعية، وكلما وعى البشر أكثر مفهوم الحرية والعقل، كلما أخذ العقل يتجسد أكثر في مؤسسات اجتماعية، حتى نصل إلى الحرية الموضوعية التي تتجسد فيها الحرية في مؤسسات الدولة والمجتمع، ويعيها الأفراد في عقولهم الفردية، وبذلك يتحقق الالتئام بين الفرد والمجتمع، وبين العقل الفردي والعقل الموضوعي، وبين الإرادة الذاتية والإرادة العامة.
إن الفكر والواقع ليسا مجالين منفصلين، بل وجهان لعملية عقلانية واحدة. ويقول هيجل إن «ما هو عقلاني هو واقعي، وما هو واقعي هو عقلاني»، لكن هذا لا يعني تقديس كل نظام قائم، بل تأكيد أن كل ما هو قائم في الواقع مهما بدا سيئا، هو لحظة على طريق تجسد العقل، وكل ما يتفق مع العقل سيتحقق لاحقا في الواقع حتى وإن بدا اليوم غائبا.
ظهور النظام العقلاني في التاريخ
في كتابه الأهم «فينومينولوجيا الروح»، يحاول هيجل أن يكتشف كيف يأخذ العقل أو المنظومة العقلانية في الظهور في التاريخ بالتدريج، والروح عند هيجل هي العقل عندما يتجسد في مؤسسات، والفينومينولوجيا هي المظاهر التي تتخذها الروح في المراحل المختلفة، فكأن الكتاب هو تاريخ لتطور تجسد العقل في مؤسسات اجتماعية.
يبدأ هذا المسار الدرامي من الحياة الأخلاقية في المدينة اليونانية القديمة، التي يعدّها هيجل أول تحققٍ كامل للروح في شكل اجتماعي. ففي المدينة اليونانية، يتّحد الفرد والجماعة اتحادًا مباشرًا، حيث لا يرى المواطن في القانون أو أو الواجب الاجتماعي قيودًا خارجية مفروضة عليه، بل يراها جزءًا من وجوده الذاتي كإنسان لا حياة له إلا بانتمائه لتلك المدينة. فالمعايير الأخلاقية تُعاش وتبدو بديهية، متجسدة في العادات، وروابط الأسرة، والحياة المدنية. هنا توجد الحرية، لكنها رغم هذا الجمال والانسجام، تعاني من الهشاشة، بسبب أن الأفراد لم يعوا أنفسهم بعد كأفراد متمايزين عن الجماعة.
ومع بدء التمايز بين الفرد والجماعة، كما يظهر في التراجيديا اليونانية التي تظهر مثلا الصراع النفسي بين الانتماء للأسرة والانتماء للدولة، تتصدّع الحياة الأخلاقية من الداخل. وتعجز المدينة عن استيعاب نشوء الذات المتأملة، فتنحل الحياة الأخلاقية، ويتحول المواطنون إلى أفراد معزولين.
بحلول العصر الروماني، تُستعاد الوحدة بين الذات والجماعة، ولكن في صورة مجردة، أي غير نابعة من الإرادة الذاتية للأفراد، وهي صورة القانون. فالقانون الروماني يعترف بالأفراد بوصفهم أشخاصًا وحَمَلة حقوق، غير أن هذا الاعتراف تجريدي، لأن هذا الاعتراف القانوني يوحّد الأفراد لا بوصفهم أعضاء في جماعة أخلاقية حيّة، بل كذوات قانونية معزولة تخضع لسلطة لا شخصية. فالمواطن الروماني لا ينتمي إلى جماعة وطنية رومانية، وإنما هو أي مواطن في الإمبراطورية يخضع لسلطة الإمبراطور حتى عندما تكون لديه ثقافة مختلفة تماما عن ثقافة روما. وتبلغ الدولة الرومانية ذروتها عبر الهيمنة والإدارة، لا عبر حياة أخلاقية مشتركة. ونتيجة لذلك، تُفرَّغ الحياة الفردانية من الانتماء، وتغدو الحرية حريةً سلبية، أي حرية قائمة على حماية الحقوق الفردية فقط، ولكن بدون انتماء مشترك.
ويقود هذا التجريد القانوني إلى اغترابٍ عميق. فالفرد، وقد انفصل عن الحياة الأخلاقية، يرتدّ إلى باطنيته، ما يؤدي إلى ظهور فلسفات ذات طابع صوفي مثل الرواقية والشكّية، وأخيرًا المسيحية، حيث تُنقل الحرية إلى الحياة الداخلية للذات.
فلسفة الدولة
في كتابه «فلسفة الحق»، يعيد هيجل بناء مفهوم الحياة الأخلاقية بعد انحلال التجربة البدائية في المدينة اليونانية، والاغتراب الذي نبع من التجريد القانوني في الإمبراطورية الرومانية. يبدأ هيجل من المستوى الأكثر تجريدًا: إرادة الفرد. في هذا المستوى، تظهر الحرية بوصفها قدرة الشخص على أن ينسب شيئًا خارجيًا إلى ذاته بوصفه «ملكا» له. ومن ثمّ لا تكون الملكية الخاصة مجرد واقعة اقتصادية، بل أول تشيّؤ للحرية نفسها، أي اللحظة التي تُمنح فيها الإرادة وجودًا موضوعيًا في العالم. وتتبع ذلك مفاهيم العقد والظلم بوصفها تعيّنات إضافية لهذا الحقّ المجرّد، لكنها تظل جميعًا شكلية: إذ يُعترف بالفرد فقط كشخص قانوني، لا بعدُ كذات أخلاقية ملموسة.
ومن هذا التجريد ينتقل هيجل إلى الأسرة، حيث تتخذ الحرية شكلًا جوهريًا، وإن ظلّ محدودًا. فالأسرة لا تقوم على العقد، بل على الشعور الأخلاقي والاعتراف المتبادل. هنا لا يواجه الأفراد بعضهم بعضًا كأشخاص قانونيين منفصلين، بل يندمجون في وحدة من الحبّ والحياة المشتركة. غير أن الأسرة تكبح اكتمال الفردية، ولذلك يؤدي نزوع الأبناء للتحرر والانفصال إلى تحلل الأسرة. فمع نضج أفرادها، يتجاوزون الحياة الأخلاقية المباشرة في البيت نحو الاستقلال، وامتلاك أشياء، والتفاعل الاجتماعي الأوسع. ومن ثمّ لا يمثّل انحلال الأسرة انهيارًا، بل انتقالًا ضروريًا نحو تعيّن أرقى للحرية.
ويُفضي هذا الانتقال إلى نشوء المجتمع المدني، الذي يصفه هيجل شهيرًا بأنه «نسق الحاجات». ففي المجتمع المدني، يرتبط الأفراد بعضهم ببعض بوصفهم حَمَلةً مستقلين لمصالح خاصة، تتوسّطها المبادلة الاقتصادية، والعمل، وتقسيم العمل. ولا تظهر الوحدة الجماعية هنا إلا على نحو غير مباشر، عبر الاعتماد المتبادل الذي ينتجه السوق. وإلى جانب هذا البعد الاقتصادي، يولّد المجتمع المدني مؤسساتٍ للتنظيم والتنسيق، كالشركات أو الروابط المهنية التي تنظّم الحِرَف والمصالح، وكذلك آليات تُعنى بالرعاية، والأمن، والعدالة، والنظام العام. وعلى الرغم من أن هذه الآليات تشمل وظائف شرطية وقضائية، فإن هيجل لا يعدّها مؤسسات للدولة، بل يعدها مجرد جهاز إداري ضمن المجتمع، لكن لا يحمل صفة سياسية وطنية أو جماعية. ودور هذه المؤسسات هو إدارة الطوارئ والصراع الناشئ عن الغايات الخاصة، لا تجسيد الإرادة الجماعية وحماية السيادة الوطنية.
وهكذا يمثّل المجتمع المدني في آنٍ واحد تقدّمًا ومشكلة. فهو يعمّم الفردية، ولكن بثمن الفقر والتفكك الأخلاقي. وتظلّ الوحدة الجماعية فيه خارجية بالنسبة إلى الأفراد، أي لا تعبر عن انتماء أخلاقي، وإنما عن ضرورة اقتصادية. هذا التناقض هو ما يدفع الحركة الجدلية نحو الدولة. فالدولة ليست عقدًا، ولا مجرد أداة لحماية الملكية أو إدارة المصالح، بل هي تحقق الحياة الأخلاقية في أعلى مستوياتها: الوحدة العقلانية التي تتصالح فيها حرية الفرد مع الإرادة الكلّية، أي يشعر الفرد بالانتماء إلى شيء متعالي يتجاوز المصالح المتصارعة والمتوافقة في السوق والمجتمع المدني.
وفي الدولة تعود الحياة الأخلاقية، لكن لا بصفتها انسجامًا مباشرًا على شاكلة المدينة اليونانية، بل بوصفها وحدة متوسَّطة، تشمل التجريد القانوني، ولكن تتجاوزه بوجود المؤسسات والانتماء الواعي إلى إرادة عامة. يعترف الأفراد هنا بالكلّي، ولكن ليس بوصفه قيدًا خارجيًا، بل بوصفه إرادتهم العقلانية وقد تجسّدت موضوعيًا. فالأسرة توفّر المادة الأخلاقية، ويطوّر المجتمع المدني الحرية الذاتية والخصوصية، وتقوم الدولة بدمج الاثنين في كلٍّ متماسك. وهذا، في نظر هيجل، هو الإنجاز الحاسم للحداثة: إذ لم تعد الحياة الأخلاقية ترتكز على العُرف أو الشعور وحدهما، بل على مؤسسات عقلانية تمنح الحرية شكلًا موضوعيًا دائمًا.




هذا الكلام كيف ينطبق على الدولة التي تأكل نفسها و تدمر نفسها بنفسها؟