مفهوم الهيمنة: كيف يمكن بناء البديل السياسي الشعبي؟
قراءة في الفكر السياسي للمفكر الإيطالي الثوري أنطونيو جرامشي
سؤال المقالة:
إذا كانت هناك إرادة لتغيير نظام سياسي واجتماعي معين، أو لتحديث المجتمع، فكيف يمكن أن يتم ذلك؟ هل يتطلب ذلك مجرد السيطرة على الدولة أم أن هناك مهاما أخرى؟ وما هي هذه المهام؟ وما العمل إذا كانت السلطة القائمة على الدولة قوية وراسخة بحيث لا يمكن خلعها مباشرة؟
هذه الأسئلة هي التي شغلت بال المفكر الإيطالي الثوري أنطونيو جرامشي الذي مات حبيسا في سجون الحكم الفاشي الإيطالي. فقد رأى جرامشي أن إيطاليا في وقته تعاني من غياب هوية وطنية واحدة، وأنها مازالت لا تشكل مجتمعا حديثا وأمة حديثة ودولة حديثة متماسكة، وبالتالي بدأ جرامشي في محاولة فهم أسباب ذلك، وكيف يمكن تغييره، وما هي المهام المحددة المطلوبة من القوى الثورية.
يضع هذا جرامشي في صدارة مفكري علم السياسة الثورية، ورغم انتمائه إلى الفلسفة الماركسية، إلا أن إبداعه الفكري وأهميته العملية جعلته مفكرا مهما لكل القوى الوطنية التي تسعى لتحديث بلدانها، وبناء مجتمعات حديثة قوية متماسكة، ومواجهة الأنظمة المستبدة الراسخة.
مفهوم الهيمنة
تشير الهيمنة إلى شكل من أشكال القيادة السياسية والاجتماعية تنجح فيه الطبقة المهيمنة في انتزاع موافقة الطبقات الخاضعة، من خلال تقديم مصالحها الخاصة بوصفها المصلحة العامة للمجتمع ككل. هذه الموافقة ليست مجرد خداع فكري؛ بل تتحقق عبر المؤسسات، والممارسات الثقافية، والمعايير الأخلاقية، و تشكيل «الحسّ المشترك» اليومي بين المواطنين.
في المجتمعات الرأسمالية، لا تحكم الطبقة الحاكمة عبر الشرطة والمحاكم والجيش وحدها. إنها تحكم عبر تشكيل الطريقة التي يفهم بها الناس العالم: ما يبدو طبيعياً، أو معقولاً، أو حتمياً، أو مرغوباً. تسهم المدارس، والكنائس، ووسائل الإعلام، والتقاليد الفكرية، وبُنى الأسرة في هذه العملية. ومن خلالها تصبح القيم البرجوازية، مثل الفردانية، والمنافسة، والاستحقاق، واحترام الملكية الخاصة، بديهيات لا يُساءل فيها.
وعليه، فالهيمنة ليست حالة ثابتة، بل عملية مستمرة. إنها تتطلب تجديداً دائماً، وتفاوضاً، وتكيّفاً. على الطبقة الحاكمة أن تقدّم تنازلات، وأن تستوعب بعض مطالب الطبقات الخاضعة، وأن تعرض نفسها بوصفها حامية الوحدة الوطنية والتقدّم. فالسلطة، بهذا المعنى، لا تُفرض بالقوة وحدها؛ بل تُنظَّم بوصفها تعاقدا اجتماعيا.
من الضروري لذلك ألا ينظر إلى الدولة بوصفها جهازا قمعيا فحسب في خدمة الطبقة الحاكمة، بل هي مزيج من المجتمع السياسي والمجتمع المدني. ويشمل المجتمع السياسي مؤسسات الإكراه: الحكومة، والإدارة، والشرطة، والجيش، والنظام القانوني. أما المجتمع المدني فيشمل المؤسسات التي تنظّم الهيمنة والتعاقد الاجتماعي: المدارس، والكنائس، والنقابات، والأحزاب السياسية، والصحف، والجمعيات الثقافية، والحياة الفكرية على نحو أعم.
في الرأسمالية الغربية، يكون المجتمع المدني كثيفاً ومتطوراً للغاية. وهذا يعني أن سلطة الطبقة الحاكمة متجذّرة بعمق في العلاقات الاجتماعية اليومية. وحتى عندما تتغير الحكومات، يبقى النظام الاجتماعي الأساسي مستقراً لأن الرضا الاجتماعي يعاد إنتاجه باستمرار داخل المجتمع المدني.
يفسر هذا لماذا كانت الاستراتيجيات الثورية القائمة على الهجوم المباشر على الدولة، والمستوحاة من الثورة الروسية، غير فعّالة في الغرب. فاحتلال المباني الحكومية أو إسقاط نظام سياسي لا يؤدي تلقائيا إلى تفكيك شبكات الهيمنة التي تسند السلطة البرجوازية.
الثورة السلبية
كلما واجهت الرأسمالية أزمة، ركوداً اقتصادياً، أو صراعاً طبقياً، أو انهياراً في الشرعية، فإنها تستجيب لذلك بإصلاح ذاتها من أعلى. وقد تكون هذه الإصلاحات واسعة وحقيقية: سياسات رفاهية (رفع الأجور والتأمين الصحي والمعاشات)، ونقابات للعمال، وتعديلات دستورية، أو إعادة تنظيم تكنولوجية. لك هذا الإصلاح يُصمَّم للحفاظ على علاقات الهيمنة القائمة.
ويمكننا أن ندعو ذلك «الثورة السلبية»، أي التحول التاريخي الذي يحدث فيه تغيير بنيوي من دون تعبئة سياسية جماهيرية، ومن دون أن تمارس الطبقات الخاضعة دور القيادة. فالطبقات الحاكمة تستجيب للأزمات عبر إعادة تنظيم المجتمع من أعلى، واستيعاب المطالب الشعبية في صيغة مضبوطة ومنزوعة التسييس، وتحييد الإمكانات الثورية.
يستمد هذا المفهوم إلهامه جزئيا من تجربة توحيد إيطاليا في دولة قومية بين سنتي 1861 و1871، فهي عملية توحيد قادتها النخب، وتحديدا ملك ساردينيا فيكتور إيمانويل الثاني ووزيره الكونت كافور، ولم تكن ثورة ديمقراطية شعبية. فقد تحولت إيطاليا إلى دولة قومية حديثة، لكن الفلاحين والطبقات العاملة لم يُمكَّنوا سياسياً؛ بل جرى إدماجهم إدماجا سلبيا في نظام جديد ظلّت قيادته برجوازية ومحافظة.
ما يميز الثورة السلبية عن التحول الثوري الحقيقي ليس غياب التغيير، بل غياب القيادة السياسية الشعبية. فالجماهير لا تكون فاعلاً تاريخياً، بل موضوعاً للإصلاح. وتُستوعَب مطالبها بصورة انتقائية، أو تُحيَّد، أو يُعاد تأويلها بما يعزز النظام القائم. فالثورة السلبية تُظهر أن الإصلاح قد يكون محافظاً بعمق في نتائجه، حتى حين يبدو تقدمياً.
المقاومة
انطلاقاً من هذا التحليل، يمكننا أن نفهم التمييز الاستراتيجي بين حرب المناورة وحرب المواقع. تشير حرب المناورة إلى الهجمات السريعة والجبهية على سلطة الدولة كما في حالة الحروب الهجومية، وهي سِمة اللحظات الثورية في المجتمعات التي يكون فيها المجتمع المدني ضعيفاً وتكون الدولة مكشوفة. وتُعد الثورة الروسية المثال الأبرز على ذلك، ويمكن كذلك رؤية نفس الحالة في الثورة الإيرانية سنة 1979.
أما حرب المواقع، فهي صراع بطيء وطويل الأمد داخل المجتمع المدني، يهدف إلى تقويض الهيمنة البرجوازية وبناء هيمنة بديلة. ففي المجتمعات الغربية، لا يمكن للثورة أن تكون حدثا واحدا حاسما؛ بل يجب أن تسبقها عملية طويلة من التحول الثقافي والأيديولوجي والتنظيمي. وتتضمن حرب المواقع بناء مؤسسات بديلة، وإعادة تشكيل الحسّ المشترك، وإنتاج أطر فكرية جديدة، وبناء تحالفات بين جماعات اجتماعية مختلفة. فهي ليست انسحابا من السياسة، بل هي انخراط أعمق فيها، يعترف بأن السلطة موزّعة عبر الحياة الاجتماعية بأسرها.
يقع في القلب من تلك العملية بالتأكيد دور المثقفين. فالمثقفون ليسوا جماعة اجتماعية متميزة تُعرّف بالعمل الذهني، وإنما لكل طبقة اجتماعية مثقفوها الخاصون بها الذين يصوغون رؤيتها للعالم، وينظمون مصالحها، ويمنحونها التماسك. وغالبا ما يرى المثقفون التقليديون، مثل رجال الدين، والأكاديميين، والأدباء، أنهم مستقلون وخارج الصراع التاريخي. لكنهم في الواقع مرتبطون تاريخيا بتشكيلات اجتماعية محددة، وغالباً ما يؤدون وظيفة إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة.
في المقابل، يظهر المثقفون العضويون من داخل الطبقة نفسها، ويساعدونها على اكتساب الوعي السياسي والتنظيم. وبالنسبة للطبقة العاملة، قد يشمل المثقفون العضويون منظمي النقابات، ومناضلي الأحزاب، والصحفيين، والمعلمين، والعاملين في الحقل الثقافي، الذين يترجمون التجربة المعاشة إلى فهم سياسي. ومن ثم، فإن مهمة الحركة الثورية ليست الاستيلاء على السلطة فحسب، بل إنتاج مثقفيها القادرين على تحدي الحسّ المشترك القائم وبناء رؤية بديلة متماسكة للعالم.
إن الاشتراكية ليست مجرد نظام اقتصادي جديد، بل شكل جديد من الحياة، يقوم على قيم وعادات وعلاقات اجتماعية جديدة. ومن ثم، فإن الصراع السياسي هو أيضاً صراع حول الأخلاق، والتعليم، والثقافة.
دور الحزب الثوري
يلعب الحزب السياسي نفس دور الأمير بالنسبة للمفكر الإيطالي الشهير نيقولا مكيافيللي. فقد أراد مكيافيللي من كتابه الشهير «الأمير» أن يحث لورينزو دي ميديتشي حاكم فلورنسا في على توحيد إيطاليا في دولة واحدة. أما حديثا، فلم يعد هناك أمراء، ويحل محل الأمير الحزب الثوري أو «الأمير الحديث» الذي يعمل على توحيد طبقة اجتماعية، وصياغة رؤيتها، وقيادتها في الصراع على السلطة.
ولا يقتصر دور الحزب على العمل الانتخابي أو الإداري، فهو يقوم أيضا بدور تعليمي وأخلاقي. فعليه أن يرفع المستوى الفكري والأخلاقي للجماهير، وأن يصوغ إرادة جماعية جديدة قادرة على إسناد مشروع مضاد للهيمنة.فالثورة لا يمكن أن تنبثق تلقائياً من الأزمة الاقتصادية، كما لا يمكن أن تفرضها طليعة ثورية. بل يجب أن تتجذر القيادة في المشاركة الفاعلة والتحول المتبادل بين القادة والمقودين.
ترتكز الهيمنة الرأسمالية على كتلة تاريخية تربط بين العلاقات الاقتصادية والمؤسسات السياسية والأشكال الثقافية. فالكتلة التاريخية هي وحدة القوى المادية والمؤسسات والأيديولوجيات التي تثبت نظاما اجتماعيا معينا. ولكي تتحدى حركة ثورية هذه الكتلة، عليها أن تبني كتلة بديلة. ويتطلب ذلك إقامة تحالفات تتجاوز الطبقة العاملة الصناعية، لتشمل الفلاحين، والفئات المهمشة، وأجزاء من الطبقات الوسطى.
ومن مهام الحزب الثوري تكوين إرادة جماعية وطنية-شعبية، أي رؤية توحد مكونات المجتمع المختلفة في هوية وطنية وإرادة سياسية واحدة، ولا تكتفي بالتحرك على أساس طبقي دون النظر إلى تعدد الفئات الاجتماعية، وهذه مهمة ضرورية على طريق التحديث السياسي وبناء مجتمع قوي.
هنا أيضا يبرز دور الفلسفة كفلسفة ممارسة (فلسفة براكسيس)، فمهمة الفلسفة الثورية ليست الكشف عن القوانين الاقتصادية المحتومة فحسب، وإنما التأكيد على إمكانية الفعل السياسي الحر والتغيير، وأن تتحول الفلسفة نفسها إلى جزء من الممارسة الثورية عبر انخراطها في عمليات بناء البديل الوطني-الشعبي، والكتلة التاريخية، وحرب المواقع، وفرض الهيمنة.




رائع، شكراً جداً ،نتمنى دوام العمل التثقيفي في المدرسه، في انتظارك دايماً
السؤال الحقيقي
كيف يكون حراك والنخبة في السجون؟