فلسفة ماركس: الدولة ليست عقلانية ولا محايدة
لقد تناولنا في المقالة السابقة فلسفة الدولة عند هيجل، وهي رؤية تقدم الدولة بوصفها تجسيدا للحياة الأخلاقية في المجتمع، أي كيان متعالي محايد عقلاني يوفق بين المصالح الفردية الأنانية والمصلحة العامة التي تحمي القوانين والأخلاق الاجتماعية. وفي الواقع، تنطوي أغلب التحليلات السياسية على تسليم بهذه الفرضية عن الدولة، ولذلك تسقط تلك التحليلات في الحيرة والتناقض، وتصل أحيانا إلى الإفلاس الكامل، عندما تجد نفسها أمام دول لا تتصرف بهذا الشكل في الواقع، ولا تملك النظرية شيئا لتقوله عن ذلك سوى أنه انحراف عن المثل الأعلى، وهو ما يجعل النظرية عديمة الفائدة. ولنضرب مثالا على ذلك بحالة الولايات المتحدة، فكثيرا من التحليلات لعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل تسقط في حيرة وتحاول اختلاق تفسيرات تحافظ على صورة الولايات المتحدة كدولة، أي كفاعل عقلاني يحمي مصالحه الخاصة، بينما يرى الجميع في الواقع أن هذه «الدولة» تسقط فريسة أمام ضغوط اللوبيات السياسية والنخب الرأسمالية.
كان هذا هو النقد الأساسي الذي قدمه كارل ماركس لفلسفة الحق عند هيجل، أي فلسفته السياسية. فمشكلة ماركس مع هيجل هي أن هيجل يرسم صورة للعالم العقلاني المثالي كما يجب أن يكون، لكنه لا يقول شيئا عن العالم الواقعي كما هو في حقيقته. والمسافة هنا بين المثال والواقع ليست نابعة من انحراف الواقع عن المثال، وإنما نابعة من تعمد المثال لإغفال جوانب من الواقع بشكل اختزالي. والخلاصة، إن ما ماركس يريد أن يقول إن الدولة ليست كيانا متعاليا منزها عقلانيا محايدا، وإنما هي تجسيد لعلاقات القوة داخل المجتمع، فالمكونات العرقية والطبقات الاقتصادية واللوبيات، كل تلك الأطراف تلعب دورا في تشكيل الدولة لا ينبغي إهماله.
ومشكلة النظرية الماركسية أنها تقع أحيانا في اختزال مضاد، أي ترى الدولة مجرد لجنة سياسية للبرجوازية أو الطبقة الرأسمالية، بينما نرى بوضوح أن الدولة أحيانا تتدخل لضبط جموح تلك الطبقة وضد رغباتها، ولا يمكن القول بإن ذلك يجري فقط لحماية مصالح الرأسمالية كما يقول كثير من الماركسيين، لأن ذلك أيضا إفلاس نظري يحاول التعويض عن تعقيد الواقع باعتبار ما يجري مجرد استثناء، بينما في الواقع علينا أن نعترف بأن الدولة تمثل هذا التوازن الدقيق بين البعد الاقتصادي الطبقي في المجتمع بجموحه الأناني والمصلحي الذي يعلي الخاص على العام، والبعد الثقافي للمجتمع كجماعة تجمعها أواصر ثقافية تتجاوز البعد الاقتصادي، ولها قيم وإرادة عامة. وإذا رأينا الدولة بهذه الصفة، كحالة اتزان تاريخي، فإن ذلك يساعدنا على فهم كثير من سلوكيات الدولة سواء تلك العقلانية أو تلك التي نصفها بالمنحرفة، وتجنب السقوط في الإفلاس النظري الذي نراه في نظريات العلاقات الدولية أمام السياسات اللصوصية الصريحة لإدارة ترامب، أو العنف السافر الذي مارسته كثير من أنظمة الشرق الأوسط ضد شعوبها، بحيث جرى ما وصفه طارق البشري بخصخصة الدولة نفسها لصالح حاكمها أو لصالح طائفة معينة من الطوائف الاجتماعية، وهو ما لا يمكن لهيجل أن يقول عنه شيئا، ولا يبدو التمسك بهيجل هنا أكثر من أحلام أو أوهام مثقف يحيا في عالم المثل محاصرا بواقع «لا يجيد قراءته» كما يقول محمود درويش في قصيدته «لا شيء يعجبني».
فلسفة الدولة عند ماركس
يرفض ماركس تصور هيجل للدولة بوصفها تجسيدا للعقلانية الكونية بوصفه يفرغان الدولة من مضمونها الاجتماعي الذي يتمثل في علاقات الإنتاج والتبادل التي تجري في المجتمع المدني. ويستخدم ماركس آلية النقد الاجتماعي التي يتبعها دوما، فبفصل الدولة عن العلاقات الاجتماعية الصلبة ورفعها فوقها، تتحول الدولة إلى صنم، ويتحول الشكل الذي تتخذه العلاقات الاجتماعية إلى مضمون في حد ذاته منفصل عنها، وهو ما يتعرض مع الديالكتيك كما يراه ماركس.
فالدولة ليست تجسيدا للثقافة الجماعية، وإنما هي تعبير عن المصالح التي تنشأ داخل المجتمع المدني، أو بالأحرى داخل النظام الاقتصادي أو السوق. وكما يوضح سيدني هوك، فإن ماركس لا يعني بالدولة أجهزة الدولة من مؤسسات قضائية وشرطية وغير ذلك من المؤسسات العامة الضرورية، فكل ذلك عند ماركس، ومن قبله عند هيجل، ينتمي إلى المجتمع المدني، وإنما يعني ماركس بالدولة السلطة السياسية التي تقع على رأس الدولة. ويؤمن ماركس بأن تطور النظام الإنتاجي في الاشتراكية بحيث يختفي التفاوت الطبقي بين الرأسماليين والعمال، أو بين البرجوازية والبروليتاريا، سيقود بالضرورة إلى اضمحلال الحاجة إلى الدولة، أي السلطة السياسية، وليس المؤسسات التي تقدم السلع العامة كشق الطرق، أو إدارة الموارد المائية، أو المرافق، أو الفصل في النزاعات.
ولا يرى ماركس في القومية نتاجا لهوية ثقافية مشتركة تشكلت عضويا عبر التاريخ، وإنما يراها وليدة فعل سياسي، فلم تكن هناك ألمانيا أو فرنسا كأمم قومية، إذ كانت هذه البلدان مقسمة بين إقطاعيات مختلفة، وأحيانا تحوي كل منها ثقافات ولغات متعددة، ولكنها تحولت إلى أمم قومية عندما رأت البرجوازية الصاعدة في الرأسمالية المبكرة أن من مصلحتها خلق سوق قومي منفصل، تفرض فيه الدولة سياسات تخدم مصالح البرجوازية المحلية في كل بلد من تلك البلدان، فقد تسعى البرجوازية الألمانية مثلا إلى فرض سياسات حمائية أو جمارك لحماية الصناعة الوطنية الناشئة في ألمانيا في القرن التاسع عشر، وبذلك تتشكل ألمانيا كقومية، وقد تسعى إلى تحرير السوق من القيود التي يفرضها الإقطاعيون في مقاطعاتهم، ولذلك تدعم البرجوازية توحيد الدولة من خلال سلطة الملكية المطلقة كما جرى في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر على يد الملك لويس الرابع عشر المعروف بالملك الشمس الذي قوّد السلطة المستقلة للإقطاعيين أو النبالة الفرنسية، وأخضع حتى الكنيسة الفرنسية رغم كاثوليكيتها إلى هيمنته، وقال مقولته الشهيرة إن الدولة هي أنا.
إن البرجوازية إذن قدمت مصلحتها الخاصة بوصفها مصلحة عامة، وسادت أفكارها بوصفها الطبقة السائدة، أي تحولت أفكارها إلى أيديولوجيا تعرّف المجتمع، وينظر من خلالها الأفراد إلى أنفسهم بوصفهم منتمين إليها.
الديمقراطية والدولة
في مواجهة الهيجلية يطرح ماركس فكرا ديمقراطيا في كتابه «نقد فلسفة الحق عند هيجل»، فبالنظر إلى أن الدولة لا يجب أن ينظر إليها ككيان معزول عن البشر، فإن البشر يمثلون مضمون الدولة، والديمقراطية هي الصورة الوحيدة من تشكل الدولة أو النظام الدستوري الذي يحقق الوحدة بين الخاص، أي الأفراد، والعام، أي السيادة الشعبية. لقد كانت الدولة في العصور الوسطى تمثل وحدة السياسي والاقتصادي، ولذلك كانت تمثل ديمقراطية اللاحرية، أي تعبر عن واقع البشر المادي، ولكن ليسوا كأفراد أحرار ولكن كأفراد خاضعين للسلطة الإقطاعية التي تجمع بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسة. أما الدولة الحديثة فقد فصلت بين الدولة السياسية والمجتمع المدني بوصفه الواقع الاقتصادي المادي لحياة المجتمع، ولذلك صار من الممكن لأمثال هيجل أن يقدموا الدولة بوصفها عقلانية خالصة وإرادة عامة متعالية ومحايدة، وليست سلطة سياسية تخدم مصالح قوى اجتماعية معينة.
يقول ماركس:
إن الإنسان لا يوجد من أجل القانون، وإنما يوجد القانون من أجل الإنسان، فالقانون في الديمقراطية هو تجلي إنساني، أما في سائر أشكال الدولة، فالإنسان هو تجلي قانوني [أي يظهر الإنسان كذات قانونية أو كمواطن بحسب تحديد القانون]، وهذا هو المحدد الأساسي للديمقراطية. فكل أشكال الدولة الأخرى هي صور عينية محددة من صورة الدولة، أما الديمقراطية فهي المبدأ الصوري وفي نفس الوقت المبدأ المادي للدولة». لأن البشر هم مضمون الدولة، فالديمقراطية التي هي حكم هؤلاء البشر تمثل المبدأ المادي للدولة، وتمثل في الوقت نفسه المبدأ الدستوري للدولة الديمقراطية. ولذلك، «تمثل الديمقراطية الوحدة الحقيقية بين العام والخاص.
البيروقراطية والطبقة
يلاحظ ماركس الدور المحوري الذي تلعبه البيروقراطية في تجسيد انفصال الدولة عن المجتمع، وهو الدور الذي يقوم ماكس فيبر لاحقا بتحليله على نطاق أوسع في مقالته «السياسة كحرفة»، وفي كتاباته الأخرى. لذلك لا يبدو ماركس إذن غافلا عن الأبعاد المختلفة لتشكل الدولة الحديثة وجذورها التاريخية.
لكن هذا لا ينفي اختزالية نظرية الدولة عند ماركس تبعا لاختزالية تصوره للمجتمع نفسه في هذا الشأن، فهو يعرف المجتمع المدني في كتابه «الأيديولوجية الألمانية» بأنه «يشمل كل التفاعل المادي للأفراد ضمن حقبة محددة من تطور قوى الإنتاج، ويشمل كل الحياة الصناعية والتجارية لحقبة معينة ويتجاوز الدولة والأمة، رغم أنه يقدم نفسه في العلاقات الخارجية كقومية، وفي الداخل ينظم نفسه كدولة». إن مشكلة هذا التعريف أنه يغفل بالكامل النشاط الثقافي للمجتمع، ولذلك يقود ماركس إلى النقيض من الاختزالية الهيجلية، فإذا كان هيجل يرفع الدولة فوق واقع الصراعات الاجتماعية، وكأنها مطلقة ومحايدة، أو كأنها الإله، فإن ماركس يأخذها إلى الحضيض الاقتصادي، وكأن المجتمع لا ينطوي على أي رؤى ثقافية مشتركة ذات أثر واقعي على تشكل الهويات الفردية للمواطنين، والهوية الوطنية للمجتمع. لذلك يخلص ماركس وإنجلز إلى مقولتهما الشهيرة في البيان الشيوعي: «إن الدولة هي اللجنة السياسية للبرجوازية».
هذا ما دفع علماء السياسة لاحقا إلى تفضيل المقاربة الفيبرية للدولة التي تعطي للدولة كيانية مستقلة عن المصالح الاقتصادية، خاصة من خلال دور البيروقراطية. لذلك، حاول الماركسيون الجدد مثل نيكوس بولانتزاس وبوب جيسوب تأكيد الاستقلال النسبي للدولة، بينما أكد جرامشي، المنظر السياسي الأكثر تبصرا سياسيا في الماركسية، استقلال النشاط السياسي عن النشاط الاقتصادي، خاصة في كراسته المعنونة «الأمير الحديث» من بين كتاباته في السجن. ولا يقدم ماركس كذلك تحليلا ذا شأن للصراعات الجيوسياسية بين الدول على الصعيد العالمي في العلاقات الدولية، بينما عمل الماركسيون لاحقا على نظريات الإمبريالية والنظم العالمية.
ولكن ميزة ماركس مع ذلك أنه يلفت نظرنا إلى أن الدولة ليست كيانا متعاليا محايدا مطلقا، وإنما الدولة رغم استقلاليتها النسبية من خلال البيروقراطية، هي في النهاية حالة من التوازن الهش بين المصالح الاقتصادية والثقافة الجماعية، فهي تحمي الثقافة الجماعية عبر ترشيد المصالح الاقتصادية وتوزيع الثروة لتقليل الفقر والحفاظ على اللحمة الاجتماعية والكتلة السكانية ككتلة منتجة، ولكنها في الوقت نفسه تحمي المصالح الاقتصادية للطبقة السائدة، وتقدم لها العون مباشرة من خلال دور المؤسسة الأمنية في قمع العمال، وبشكل غير مباشر في تسيير النشاط الاقتصادي بشكل سلس، وتقديم السلع العامة كشق الطرق وبناء الموانئ، ووضع نظام ضريبي وقوانين تخدم المصالح الاقتصادية للطبقة العليا. ولذلك تقدم الرؤية الماركسية بعدا نقديا تفتقده العلوم السياسية والاجتماعية في صيغتها الفيبرية.
نقد القانون
قبل أن نغادر نظرية الدولة، علينا أن ننظر إلى البعد الآخر من النقد المادي للسياسة، وهو نقد القانون في رؤيته الليبرالية التي ترى أن القانون هو تجسيد العدالة، والعدالة هي حماية الملكية الخاصة، وبالتالي ترفع الملكية الخاصة إلى مستوى القيمة المطلقة، وتلغي المسافة بين المصلحة الاقتصادية للطبقة السائدة في حماية ملكياتها التي قد تنطوي على إخلال بالعدالة في توزيع المنافع الاجتماعية، والقيم الإنسانية المطلقة المتمثلة في حماية الحرية الفردية وتحقيق العدالة.
إن القانون المدني ينشأ تاريخيا بظهور الملكية الخاصة، وتشكل حماية الملكية الخاصة المضمون الاجتماعي للقانون المدني. ونعود هنا إلى نظرية الدولة. فتحلل المجتمع الإقطاعي إلى أفراد مستقلّين عن بعضهم في المدن الحديثة، وهي ظاهرة الفردانية أو التذرر بمعنى تحول المجتمع إلى ذرات فردية منفصلة عن بعضها، قاد إلى تشكل الدولة السياسية كما ذكرنا، أي الدولة التي ترى نفسها كرابطة بين الأفراد منفصلة عن واقعهم المادي، بينما تركت الواقع المادي والمجتمع المدني لنشاطه الاقتصادي الحر. لقد أدى هذا إلى ترسيخ الذات الأنانية في المجتمع، وهو ما أدى إلى ترسيخ الاغتراب في المجتمعات الحديثة بأشكاله الخمسة التي وصفها عالم الاجتماع ميلفين سيمان في مقاله «حول معنى الاغتراب». وتشمل أشكال الاغتراب أولا اللامعيارية، أي افتقاد الإنسان إلى منظومة أخلاقية تحدد له المعايير القيمية لسلوكه، وثانيا العجز، أي شعور الإنسان بأنه غير قادر على التأثير في المجتمع وأنه كم مهمل عديم الجدوي، وثالثا افتقاد المعنى أو الأنومي، وهو ما ينتج بالضرورة عن اللامعيارية والعجز، فالإنسان لا يجد معنى لحياته، ورابعا العزلة الاجتماعية بسبب افتقاد أي شيء مشترك مع الآخرين، وخامسا الاغتراب عن الذات، وهي ذروة الاغتراب، حيث يفقد الإنسان حتى الشعور بأن له هوية ذاتية تعبر عنه وينتمي إليها.
ويسعى ماركس لذلك إلى تحقيق الالتئام بين الفرد غير السياسي، أي الإنسان المنخرط في علاقات اجتماعية مادية، والفرد السياسي، أي الإنسان في نظر الدولة كذات قانونية ومواطن. ويتحقق هذا الالتئام في المجتمع الاشتراكي بحسب تصور ماركس، وهو ما يحقق التحرير الفعلي للإنسان: «فقط، عندما يستوعب الإنسان الفرد الفعلي في داخله هويته كمواطن مجرد، ويصبح ككينونة إنسانية فردية وجودا نوعيا في حياته اليومية، وفي عمله الخاص، وفي ظرفه العيني، وفقط عندما يعترف الإنسان بقواه الخاصة وينظمها كقوة اجتماعية، وبالتالي لا تغدو منفصلة عن شكلها كقوة سياسية، فقط عندئذ يتحقق التحرر البشري» (من كتاب «حول المسألة اليهودية»).



